الشيخ محمد رشيد رضا
168
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( الأول ) الآية التي بعدها ثم آية النحل ثم آية البة ثم أول المائدة على الوجه الذي بيناه - فهذه أربع آيات في موضوع الطعام خاصة ( الثاني ) احلال طعام أهل الكتاب والنصارى منهم لا يكادون يحرمون شيئا من نوع الحيوان مما يدب على الأرض أو يطير في الهواء ( الثالث ) الآيات الدالة على إباحة منافع العالم عامة كقوله تعالى ( 2 : 28 هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) وقوله ( 22 : 64 أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) وفي معناه بعد ذكر تسخير البحر ( 45 : 12 وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) وصرح في بعض الآيات بذكر الاكل في تسخير البحر فقال ( 16 : 14 وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) الخ ( الرابع ) ما يؤيد هذا الأصل فيما يحل ويحرم من الطعام وهو ما ورد من التشديد في حظر تحريم أي شيء على عباد اللّه غير ما حرمه عليهم ربهم كالآيات السابقة لآية الانعام كما بيناه في تفسيرها ، وقوله تعالى بعد آية النحل في الحصر ( 16 : 116 وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) وقال بعدها بآية ( 118 وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) فآيات النحل بمعنى آيات الانعام في جملتها وقوله تعالى ( ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ) نص في نزول النحل بعد الأنعام كما قال أهل الأثر . ومن هذا النوع قوله تعالى ( 9 : 31 اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال ( ص ) في تفسيرها « أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه » رواه الترمذي وحسنه الطبراني والبيهقي في سننه وأكثر رواة التفسير المأثور من حديث عدي بن حاتم الطائي الشهير بالجود وكان عدي قد تنصر في الجاهلية وفر بعد بلوغ الدعوة إلى الشام فأسرت أخته ومن عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأعطاها فلحقت به ورغبته في الاسلام فقدم على رسول اللّه ( ص ) وفي عنقه صليب من فضة وهو ( ص ) يأ هذه الآية قال فقلت انهم لم يعبدوهم فقال « بلى انهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم » ثم دعاه إلى الاسلام فأسلم . ورووا مثله من حديث حذيفة ، ومعنى رواية لم يكونوا يعبدونهم انهم لم يتخذوهم آلهة فالاله هو المعبود ولكنهم اتخذوهم